تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
39
محاضرات في أصول الفقه
فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن : أن ما ذكروه من الوجوه لتصوير الواجب التخييري لا يرجع شئ منها إلى معنى صحيح . الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظا على ظواهر الأدلة : هو أن الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه ، وتطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف ، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية ، غاية الأمر ان متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية ، الطبيعة المتأصلة والجامع الحقيقي ، وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني ، فهذا هو نقطة انطلاق الفرق بينهما . وتخيل : أنه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما في المقام ، ضرورة أنه ليس له واقع موضوعي غير تحققه في عالم الانتزاع والنفس فلا يمكن أن يتعدى عن أفق النفس إلى ما في الخارج ، ومن الواضح أن مثله لا يصلح أن يتعلق به الأمر خيال خاطئ جدا ، بداهة أنه لا مانع من تعلق الأمر به أصلا بل تتعلق به الصفات الحقيقية ، كالعلم والإرادة وما شاكلهما ، فما ظنك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض ؟ وقد تقدم منا غير مرة : من أن الأحكام الشرعية سواء كانت وضعية أو تكليفية أمور اعتبارية ، وليس لها واقع ما عدا اعتبار الشارع . ومن المعلوم أن الأمر الاعتباري كما يصح تعلقه بالجامع الذاتي كذلك يصح تعلقه بالجامع الانتزاعي ، فلا مانع من اعتبار الشارع ملكية أحد المالين للمشتري عند قول البائع : بعت أحدهما ، بل وقع ذلك في الشريعة المقدسة كما في باب الوصية ، فإنه إذا أوصى الميت بملكية أحد المالين لشخص بعد موته فلا محالة يكون ملكا له بعد موته ، وتكون وصيته بذلك نافذة ، وكذا لا مانع من اعتبار الشارع أحد الفعلين أو الأفعال في ذمة المكلف . وعلى الجملة : فلا شبهة في صحة تعلق الأمر بالعنوان الانتزاعي وهو عنوان أحدهما ، ومجرد أنه لا واقع موضوعي له لا يمنع عن تعلقه به ، ضرورة أن الأمر لا يتعلق بواقع الشئ ، بل بالطبيعي الجامع ، ومن الواضح جدا أنه لا يفرق فيه : بين أن يكون متأصلا أو غير متأصل أصلا .